جاري التحميل...
لواندا: جعل الوقاية من النزاعات مسؤولية أفريقية ورهاناً للأمن العالمي
الدبلوماسية والتعاون جنوب-جنوب 27 October 2026

لواندا: جعل الوقاية من النزاعات مسؤولية أفريقية ورهاناً للأمن العالمي

K

Khaled Hamadé

خبير المعهد

دراسة أُعدّت تحت إشراف قطب الوقاية من النزاعات وتسويتها

المساهمون:

خالد حمادة، عبد الله سيني، وفاء عزيز، كريم مرتضى

مرحلة جديدة من أجل السلام والأمن في أفريقيا

تابعت إدارة قطب الوقاية من النزاعات وتسويتها التابع للمعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية (IIEG) باهتمام خاص أشغال لواندا المخصصة لتعزيز الآليات الأفريقية للوقاية من النزاعات وتسويتها.

وتأتي هذه الدورة الاستثنائية للاتحاد الأفريقي في مرحلة تواجه فيها القارة الأفريقية، شأنها شأن النظام الدولي برمته، تزايداً في الأزمات، وتحولات في أشكال النزاعات، وتراجعاً في فعالية بعض آليات الضبط التقليدية.

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى اعتماد خطة عمل لواندا ومصفوفة تنفيذها باعتباره مجرد إعلان سياسي إضافي.

بل يعكس طموحاً أعمق يتمثل في الانتقال التدريجي من ثقافة رد الفعل تجاه الأزمات إلى ثقافة حقيقية للوقاية منها.

ومن وجهة نظر المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية، تكمن الأهمية الاستراتيجية للواندا تحديداً في هذا التحول.

فالتحدي الذي تواجهه أفريقيا لم يعد يقتصر على امتلاك آليات للإنذار المبكر والوساطة وإدارة الأزمات، بل أصبح يتمثل في القدرة على تحويل المعلومات الاستراتيجية إلى قرارات سياسية في الوقت المناسب، ثم ترجمة هذه القرارات إلى إجراءات عملية.

المفارقة الأفريقية في مجال الوقاية

لا تنطلق أفريقيا من نقطة الصفر.

فقد طورت القارة خلال العقود الماضية بنية مؤسسية مهمة في مجال السلام والأمن، تشمل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، وآليات الإنذار المبكر، ولجنة الحكماء، وأجهزة الوساطة، والمجموعات الاقتصادية الإقليمية، وأدوات تمويل السلام.

وعليه، فإن التحدي لا يكمن فقط في إنشاء أدوات جديدة.

بل يتمثل أيضاً في ضمان عمل الآليات القائمة بصورة منسقة وسريعة بما يكفي وفعالة على المستوى السياسي.

وهنا تبرز ما يمكن تسميته بالمفارقة الأفريقية في مجال الوقاية: فقد يتم التعرف على المؤشرات المبكرة لأزمة وشيكة، دون أن يُتخذ بالضرورة الإجراء الدبلوماسي أو السياسي المطلوب قبل تدهور الوضع.

فبين تحديد الخطر والتدخل الوقائي تظل هناك فجوة حرجة تتداخل فيها سيادة الدول، وتباين المصالح، وتشتت آليات اتخاذ القرار، والقيود المالية، وأحياناً ضعف الإرادة السياسية.

وينبغي أن تسهم لواندا تحديداً في تقليص هذه الفجوة.

أفريقيا لم تعد ساحة هامشية للأزمات العالمية

لم يعد من الممكن تحليل النزاعات الأفريقية بمعزل عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي.

فمن منطقة الساحل إلى القرن الأفريقي، ومن منطقة البحيرات الكبرى إلى السودان وليبيا، أصبحت الأزمات تندرج ضمن منظومات متشابكة من النزاعات تتفاعل فيها الديناميات الداخلية والتنافسات الإقليمية والصراعات الدولية.

ويمكن لقضايا الطاقة والأمن الغذائي والمائي والهجرة والإرهاب والاتجار غير المشروع عبر الحدود والتغير المناخي والتكنولوجيات الجديدة والتنافس على الموارد الاستراتيجية أن تشكل عوامل هشاشة أو تسارع أو تدويل للأزمات.

وفي الوقت نفسه، تتجاوز تداعيات النزاعات الأفريقية حدود الدول المعنية، بل تتعدى في كثير من الأحيان حدود القارة نفسها.

وأصبح التمييز بين الأزمة الوطنية والأزمة الإقليمية والقضية ذات البعد الدولي أكثر صعوبة.

لقد أصبح أمن أفريقيا اليوم جزءاً لا يتجزأ من الأمن الدولي.

ومن ثم، ينبغي النظر إلى أفريقيا ليس فقط باعتبارها فضاءً يحتاج إلى آليات للوقاية، بل أيضاً باعتبارها فاعلاً أساسياً في تحقيق الاستقرار العالمي.

ويقتضي هذا التحول تعزيز القدرات الأفريقية على الاستشراف والوساطة وتسوية النزاعات، إلى جانب بناء آليات تعاون أكثر فعالية بين الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية والأمم المتحدة وسائر الفاعلين الدوليين.

الترابط بين المياه والمناخ والأمن: بُعد محوري في الوقاية

أصبح من الضروري أن تدمج سياسات الوقاية من النزاعات بشكل كامل الأبعاد المرتبطة بالدبلوماسية المائية والبيئية.

فلم تعد المياه والمناخ والأمن قضايا منفصلة، بل أصبحت تشكل منظومة مترابطة من عوامل الهشاشة، تتجلى بشكل خاص في المناطق التي تواجه ندرة الموارد، وتدهور الأراضي، ونزوح السكان، والتنافس بين الاستخدامات الزراعية والرعوية والحضرية والصناعية والطاقية.

ويساعد الترابط بين المياه والمناخ والأمن على فهم الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها الضغوط البيئية إلى تفاقم التوترات القائمة، وإضعاف التوازنات الاجتماعية، وتسريع تحول الأزمات المحلية إلى أزمات إقليمية.

وينبغي اعتبار الأحواض المائية العابرة للحدود، والمناطق الرعوية، والمجالات المحيطة بالبحيرات، والأراضي الخاضعة لضغوط ديمغرافية مرتفعة، فضاءات ذات أولوية للدبلوماسية الوقائية.

ويمكن للإدارة المشتركة للمياه أن تصبح عاملاً للتعاون، شريطة أن تستند إلى آليات للحوار والشفافية وتبادل البيانات وتسوية الخلافات.

وفي المقابل، قد يؤدي غياب التنسيق إلى تحويل توتر محلي إلى أزمة بين المجتمعات، ثم إلى خلاف بين الدول.

ولذلك، ينبغي أن يعتمد الاستشراف على الربط بين البيانات المناخية والهيدرولوجية والزراعية والديمغرافية والأمنية، بهدف تحديد المخاطر قبل تحولها إلى أعمال عنف.

ويقتضي هذا النهج أيضاً إشراك السلطات العمومية والمنظمات الإقليمية والمجتمعات المحلية والمزارعين والرعاة والفاعلين في قطاع المياه ومنظمات المجتمع المدني.

ولا ينبغي اختزال دبلوماسية المياه في المفاوضات بين الحكومات فقط، إذ يمكن أن تتحول أيضاً إلى أداة وقائية تخدم المناطق والسكان.

من الإنذار إلى العمل: التحدي الحقيقي للوقاية

يتمثل أحد أبرز الدروس المستخلصة من لواندا في ضرورة تحديد العوامل المسببة للأزمات قبل تحولها إلى نزاعات مفتوحة.

وينسجم هذا التوجه بصورة مباشرة مع الرؤية التي يتبناها قطب الوقاية من النزاعات وتسويتها في المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية.

فالوقاية من النزاعات لا تعني فقط منع اندلاع الأعمال العدائية.

بل تعني أيضاً:

  1. تحديد المؤشرات المبكرة للأزمات.
  2. فهم الأسباب العميقة للتوترات.
  3. تحليل الديناميات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمجالية.
  4. إدماج التفاعلات بين المياه والمناخ والموارد والأمن.
  5. رسم خريطة الفاعلين ومصالحهم.
  6. تحديد الأطراف القادرة على تسهيل الوساطة.
  7. استشراف التداعيات الإقليمية والدولية للأزمات.
  8. بناء سيناريوهات محتملة لتطور الأوضاع.
  9. اقتراح خيارات للوقاية والوساطة وخفض التصعيد كلما أمكن ذلك.

وبذلك، ينبغي أن تصبح الوقاية وظيفة دائمة للتحليل الاستراتيجي ودعم اتخاذ القرار.

غير أن الإنذار المبكر لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا عندما يقود إلى تحرك مبكر.

وعليه، فإن التحدي لا يقتصر على تحسين القدرة على اكتشاف الأزمات، بل يتمثل أيضاً في تقليص المدة الفاصلة بين تحديد الخطر واتخاذ القرار السياسي.

الوقاية من القاعدة: الوساطة المجتمعية والمحلية

لا يمكن أن تكون الوقاية فعالة إذا ظلت محصورة في المقاربات المؤسسية أو الدبلوماسية أو في القرارات الصادرة من أعلى الهرم.

فالعديد من الأزمات تنشأ من توترات محلية مرتبطة بالنزاعات العقارية، أو الوصول إلى المياه، أو حركة الرعي الموسمي، أو التنافس بين المجتمعات، أو الاعتراض على السلطة، أو التهميش الاقتصادي، أو الشعور بالظلم.

وعلى هذا المستوى، يمتلك الفاعلون المحليون في كثير من الأحيان معرفة دقيقة بموازين القوى والمظالم المتراكمة وإمكانات التوصل إلى تسويات.

ولذلك، ينبغي اعتبار الوساطة المجتمعية والمحلية مستوى أساسياً أولياً للوقاية.

ويمكن للقيادات التقليدية والسلطات الدينية وجمعيات النساء والشباب والمنظمات الرعوية والزراعية والمنتخبين المحليين والوسطاء المجتمعيين ومنظمات المجتمع المدني أن يسهموا في نزع فتيل التوترات قبل عسكرة النزاعات أو توظيفها سياسياً.

وتفترض هذه الوقاية المنطلقة من القاعدة تعزيز القدرات المحلية على الحوار، وإنشاء فضاءات منتظمة للتشاور، وضمان مشاركة الفئات المعنية مباشرة، ولا سيما النساء والشباب والنازحين.

غير أنه لا ينبغي إضفاء طابع مثالي على هذه الآليات.

فقد تكون الآليات التقليدية نفسها محل اعتراض، أو تستبعد بعض الفئات الاجتماعية، أو تعيد إنتاج علاقات الهيمنة القائمة.

ولذلك، يجب ربطها بالمؤسسات العمومية والآليات الإقليمية والمعايير المتعلقة بحماية حقوق الإنسان.

المجتمع المحلي ← السلطة المحلية ← الدولة ← المنظمة الإقليمية ← الاتحاد الأفريقي ← الشركاء الدوليون

والهدف هو بناء سلسلة متعددة المستويات للوقاية، قادرة على رصد التوترات الناشئة وتعبئة الموارد والوسطاء المناسبين بسرعة وفقاً لطبيعة كل حالة.

السيادة الوطنية والمسؤولية الأفريقية

تواجه أي سياسة طموحة للوقاية من النزاعات صعوبة بنيوية.

فالتحرك في الوقت المناسب قد يقتضي أحياناً تدخلاً دبلوماسياً في مرحلة لا تزال فيها الأزمة تُعد رسمياً من الشؤون الداخلية لدولة معينة.

وهنا تطرح الوقاية سؤالاً سياسياً جوهرياً:

كيف يمكن التوفيق بين احترام السيادة الوطنية وضرورة التحرك عندما تهدد أزمة داخلية بالتحول إلى مصدر لزعزعة الاستقرار الإقليمي؟

ولا يمكن تجاهل هذا السؤال.

فلن تصبح الوقاية مسؤولية أفريقية جماعية إلا إذا اقتنعت الدول تدريجياً بأن الاستشراف والحوار والوساطة لا تشكل بالضرورة مساساً بسيادتها.

بل يمكن، على العكس، أن تسهم في الحفاظ عليها من خلال منع تدهور الآليات السياسية والمؤسسية.

ومن ثم، فإن مصداقية المنظومة الأفريقية للسلام والأمن ستعتمد أيضاً على قدرتها على بناء هذه الثقة.

الوقاية تتطلب أيضاً التمويل

لا يمكن فصل الاستقلالية الاستراتيجية الأفريقية في مجال الوقاية من النزاعات عن مسألة التمويل.

فلا يمكن الحديث عن امتلاك أفريقيا الحقيقي لآليات الوقاية دون امتلاك القدرة على تمويل أنظمة الإنذار المبكر والوساطة والدبلوماسية الوقائية وبناء السلام بصورة مستدامة.

وقد يؤدي الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي إلى إضعاف استمرارية آليات الوقاية والحد من استقلالية القرار لدى المؤسسات الأفريقية.

ولذلك، ينبغي اعتبار تعزيز القدرات الأفريقية على تمويل السلام ليس مجرد مسألة ميزانية، بل قضية تتعلق بالاستقلالية الاستراتيجية.

كما ستعتمد قدرة أفريقيا على الوقاية من أزماتها على قدرتها على تعبئة الموارد اللازمة للتحرك.

توضيح التنسيق بين الفاعلين

تتطلب الوقاية أيضاً تنسيقاً أكثر فعالية بين مختلف مستويات اتخاذ القرار.

فقد يتدخل الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن والدول الأعضاء والمجموعات الاقتصادية الإقليمية والأمم المتحدة والوسطاء في الأزمة نفسها في الوقت ذاته.

ويشكل هذا التعدد مصدر قوة عندما يسمح بتعبئة قدرات متكاملة.

لكنه يتحول إلى نقطة ضعف عندما يؤدي إلى تنافس دبلوماسي أو ازدواجية المبادرات أو تشتت المسؤوليات.

ولذلك، ينبغي أن يظل سؤال عملي في صميم التفكير الذي أطلقته لواندا:

من يرصد؟ من يطلق الإنذار؟ من يقرر؟ من يتوسط؟ وفي أي إطار زمني؟

فالإنذار الذي ينتقل بين المؤسسات دون أن يؤدي إلى قرار لا يشكل، في حد ذاته، سياسة للوقاية.

وبالمثل، قد تؤدي مبادرات الوساطة المتنافسة أحياناً إلى إضعاف فعالية تحرك دبلوماسي يحتاج إلى الوحدة والانسجام والسرعة.

وعليه، فإن تعزيز التنسيق بين المستوى القاري والدول والمنظمات الإقليمية والفاعلين المحليين يشكل أحد التحديات الرئيسية لأي منظومة أفريقية للوقاية.

من الوقاية إلى ترسيخ السلام

لا ينبغي النظر إلى الوقاية من النزاعات باعتبارها نشاطاً منفصلاً.

بل تندرج ضمن مسار متكامل:

الاستشراف ← الوقاية ← الوساطة ← خفض التصعيد ← التسوية ← ترسيخ السلام

فعندما يتعذر منع النزاع، يصبح الهدف هو الحيلولة دون توسعه أو تحوله إلى أزمة إقليمية أو تفاقمه.

وعندما يتم التوصل إلى اتفاق، يصبح التحدي هو منع عودة العوامل التي أدت إلى نشوء الأزمة.

ولذلك، ينبغي التفكير في سياسة حقيقية للوقاية قبل النزاعات وأثناءها وبعدها.

المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية: التحليل والاستشراف وتقديم المقترحات

في إطار هذه الدينامية، يسعى المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية إلى الإسهام في النقاش الذي انطلق في لواندا، انطلاقاً من رسالته الخاصة المتمثلة في إنتاج التحليلات، وفهم ديناميات النزاعات، وصياغة مقترحات قادرة على إثراء التفكير بشأن الوقاية من النزاعات وتسويتها.

ولا يسعى المعهد إلى الحلول محل الدول أو الاتحاد الأفريقي أو المنظمات الإقليمية أو المؤسسات الدولية المختصة بتنفيذ سياسات السلام والأمن.

فدوره يتمثل في كونه معهداً مستقلاً للبحث والتحليل.

ومن خلال قطب الوقاية من النزاعات وتسويتها، يمكنه الإسهام في تعميق بعض القضايا الاستراتيجية التي أثارتها لواندا، بالاعتماد على مقاربة جيوسياسية واستشرافية ومتعددة التخصصات.

ويمكن أن تركز أعمال القطب على العوامل البنيوية المسببة للنزاعات، والمؤشرات المبكرة للأزمات، والتفاعلات بين الديناميات الوطنية والإقليمية والدولية، والشروط الكفيلة بتعزيز آليات الوقاية والوساطة وخفض التصعيد.

كما يمكن إيلاء اهتمام خاص لقضايا التنسيق بين الفاعلين، والظروف السياسية والاقتصادية للوقاية، وتداعيات التحولات الجيوسياسية الدولية على الأزمات الأفريقية، وعوامل الهشاشة الجديدة التي قد تؤثر في استقرار القارة.

ويمكن تخصيص حيز مهم للترابط بين المياه والمناخ والأمن، وكذلك لآليات الوقاية المحلية.

واستناداً إلى تحليلاته ودراساته، يمكن للمعهد صياغة مقترحات، وتحديد مسارات للتفكير، وتطوير سيناريوهات تسهم في النقاش الاستراتيجي بشأن تطور الآليات الأفريقية للوقاية من النزاعات وتسويتها.

أداتان استشرافيتان لدعم التفكير الاستراتيجي

من أجل إعطاء بُعد عملي لهذه القدرة على التحليل وتقديم المقترحات، يمكن للمعهد تطوير أداتين متكاملتين، باعتبارهما وسيلتين للبحث والاستشراف والحوار، وليس كآليتين للرقابة أو التدخل المؤسسي.

مرصد استشرافي للمؤشرات المبكرة للأزمات

يمكن لقطب الوقاية من النزاعات وتسويتها إعداد مرصد استشرافي للمؤشرات المبكرة، يهدف إلى تنظيم رصد العوامل التي قد تنذر باندلاع أزمة أو تسريع تدهورها.

وسيجمع هذا المرصد بين مؤشرات سياسية واجتماعية واقتصادية وبيئية ومناخية وهيدرولوجية وأمنية.

ومن بينها التوترات المجتمعية، ونزوح السكان، والنزاعات المرتبطة بالأرض والمياه، وانقطاع الحوار، والضغوط على الموارد الأساسية، والتضليل الإعلامي، والعنف المحلي أو العابر للحدود، ومؤشرات عسكرة الأزمات أو تدويلها.

ولن يكون الهدف منه التنبؤ الآلي بالنزاعات أو تقييم أداء المؤسسات المختصة.

بل تقديم قراءة استشرافية لمواطن الهشاشة والاتجاهات ونقاط التحول المحتملة.

ويمكن أن تترجم أعماله إلى مذكرات دورية وخرائط للمخاطر وملفات مجالية وتحليلات موضوعاتية.

موائد مستديرة للدبلوماسية الوقائية

بالتوازي مع ذلك، يمكن للمعهد تنظيم موائد مستديرة للدبلوماسية الوقائية تجمع، بحسب الموضوعات المطروحة، باحثين ودبلوماسيين وخبراء وممثلين عن المؤسسات والفاعلين المحليين والوسطاء المجتمعيين ومنظمات المجتمع المدني.

وتهدف هذه الفضاءات إلى تبادل التحليلات، وتحديد الاختلافات في تفسير الأوضاع، واستكشاف سيناريوهات خفض التصعيد، وبلورة مقترحات.

ويمكن إيلاء اهتمام خاص للأزمات الناشئة، والأحواض المائية العابرة للحدود، والمناطق الرعوية، والأقاليم الأكثر تعرضاً لتداعيات التغير المناخي.

وبذلك، يتموضع المعهد كمنصة مستقلة للتفكير والحوار، دون أن يحل محل الوسطاء الرسميين أو المؤسسات المختصة.

وستسمح هاتان الأداتان بإقامة روابط أوثق بين التحليل الاستشرافي، والمؤشرات المبكرة، والخبرة متعددة التخصصات، وصياغة المقترحات.

ويندرج هذا الإسهام في صميم رسالة معهد للبحث الجيوسياسي: ليس اتخاذ القرارات بدلاً من المؤسسات المختصة، ولا مراقبة عملها، بل فهم التحولات الجارية، واستشراف المخاطر، وتسخير الخبرة لتقديم مقترحات مدروسة.

من التحليل إلى تقديم المقترحات

تتطلب الوقاية من النزاعات قدرة دائمة على التفكير الاستباقي قبل وقوع الأزمات.

ويمكن للتحليل الجيوسياسي أن يسهم في تحديد مواطن الهشاشة، والربط بين ظواهر غالباً ما تُدرس بصورة منفصلة، واستكشاف سيناريوهات مختلفة لتطور الأوضاع.

وفي هذا الإطار، يعتزم قطب الوقاية من النزاعات وتسويتها التابع للمعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية أن يندرج بإسهاماته.

ويمكن أن تفضي أعماله، بحسب الموضوعات والحالات المدروسة، إلى إعداد تحليلات ودراسات استشرافية ومذكرات استراتيجية ومقترحات تهدف إلى إثراء التفكير بشأن سبل منع نشوء الأزمات أو تفاقمها أو تحولها إلى أزمات إقليمية.

وتقوم هذه المقاربة على قناعة أساسية:

البحث والتحليل لا يحلان محل العمل السياسي والدبلوماسي، لكنهما يمكن أن يسهما في توجيهه بصورة أفضل.

من لواندا إلى العالم: التفكير في السلام بمنظور جديد

إن الرهان الحقيقي للواندا يتجاوز الإطار الأفريقي وحده.

ففي عالم يتسم بالتشرذم الجيوسياسي، وتزايد الأزمات، والتنافس بين القوى الكبرى، والتشكيك في العديد من آليات الضبط الدولي التقليدية، أصبحت الوقاية من النزاعات مسؤولية جماعية.

ويمكن لأفريقيا، بل ينبغي لها، أن تضطلع بدورها الكامل في هذا المجال.

غير أن أهمية لواندا لا ينبغي أن تُقاس فقط بجودة الالتزامات المعتمدة.

بل يجب أن تُقاس أساساً بمدى قدرة هذه الالتزامات على تشجيع التحرك المبكر، وتحسين التنسيق بين الفاعلين، وتوفير استجابة سياسية ودبلوماسية قبل أن تصبح الكلفة البشرية والاقتصادية والاستراتيجية للأزمة أكثر صعوبة في السيطرة عليها.

وينبغي أن تكون هذه الوقاية مؤسسية ومجالية في آن واحد، ودبلوماسية ومجتمعية، وسياسية وبيئية.

كما يجب أن تدمج التوترات المرتبطة بالمياه والمناخ والموارد، مع منح الفاعلين المحليين مكانة حقيقية في بناء حلول خفض التصعيد.

ومن ثم، فإن الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الوقاية لن يعتمد فقط على المؤسسات المنشأة أو النصوص المعتمدة.

بل سيتوقف على القدرة الجماعية على تحويل الاستشراف إلى قرار، والقرار إلى عمل، والعمل إلى نتائج.

وهذا هو التفكير الذي يعتزم المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية الإسهام فيه، من خلال قطب الوقاية من النزاعات وتسويتها، عبر التحليل والاستشراف ودراسة المؤشرات المبكرة وإقامة الحوار بين الخبرات وصياغة المقترحات.

الوقاية بدلاً من تحمّل الأزمات.

الفهم قبل التحرك.

التحليل من أجل الإسهام في السلام.